محمد سعيد رمضان البوطي

123

فقه السيرة ( البوطي )

المحض ، لبثوا ثلاثة أرباع قرن ، يدققون ويمحصون بزعمهم ، حتى يهدّموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيّهم ، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة ، والروايات المشهورة من السيرة النبوية ، فهل تسنّى لهم شيء من ذلك ؟ الجواب : لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد ، بل إذا أمعنّا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون من فرنسيين وإنكليز وألمان وبلجيكيين وهو لانديين ، لا نجد إلا خلطا وخليطا ، وإنك لترى كل واحد منهم يقرر ما نقضه غيره » « 1 » . ثانيا : يتجلى لدى التأمل فيما سردناه من كيفية بدء إسلام الأنصار ، أن اللّه عز وجل قد مهد حياة المدينة وبيئتها لقبول الدعوة الإسلامية ، وإنه كان في صدور أهل المدينة تهيؤ نفسي لقبول هذا الدين ، فما هي مظاهر هذا التهيؤ النفسي ؟ . لقد كان سكان المدينة المنورة خليطا من سكانها الأصليين وهم العرب المشركون واليهود المهاجرين إليها من أطراف الجزيرة ، وكان المشركون ينقسمون إلى قبيلتين كبيرتين : إحداهما الأوس ، والثانية الخزرج . وكان اليهود ثلاث قبائل : بني قريظة ، وبني النضير ، وبني قينقاع . ولقد احتال اليهود طويلا - كعادتهم - حتى زرعوا الضغائن بين قبيلتي الأوس والخزرج ، فراح العرب يأكل بعضهم بعضا في حروب طاحنة متلاحقة ، ويقول محمد بن عبد الوهاب في كتابه « مختصر سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم » أن الحرب لبثت بينهم مائة وعشرين سنة « 2 » . وفي غمار هذه الخصومة الطويلة حالف كل من الأوس والخزرج قبيلة من اليهود ، فحالف الأوس بني قريظة ، وحالف الخزرج بني النضير وبني قينقاع ، وكان آخر ما بينهم من المواقع موقعة بعاث ، وذلك قبل الهجرة بسنوات قليلة ، وكان يوما عظيما مات فيه أكثر رؤسائهم . وفي أثناء ذلك ، كان كلما وقع شيء بين العرب واليهود ، هدد اليهود العرب بأن نبيا قد آن أوان بعثته وأنهم سيكونون من أتباعه ، ويقتلونهم معه قتل عاد وإرم . فهذه الظروف ، جعلت لدى أهل المدينة تطلعا إلى هذا الدين ، وعلقت منهم آمالا

--> ( 1 ) حاضر العالم الإسلامي : 1 / 33 . ( 2 ) مختصر سيرة الرسول : 124 .